السيد كمال الحيدري

280

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

ولذا قال الحكماء : أنّ كلّ ذي ماهيّة فهو حادثٌ ذاتيّ . ولا يخفى : أنّ عدم الماهيّة في مرتبة ذاتها يجتمع مع الوجود ؛ لأنّ مصبّ هذا العدم هو مرتبة الذات ، وما في مرتبة الذات لا يمكن أن يتخلّى الموجود عنها ، لأنّها ذاتيّة له . بمعنى : أنّ الشيء الموجود معدوم ذاتاً . الاستدلال المتقدّم على الحدوث الذاتيّ اعتمد على مقدّمة وهي : أنّ العدم أسبق من الوجود ، لأنّ العدم ذاتيّ للماهيّة ، أمّا الوجود فهو عارضٌ عليها وليس من ذاتها . لكنّ هذه المقدّمة واجهت اعتراضاً من البعض ، وحاصل هذا الاعتراض : أنّ الماهيّة كما أنّها لا تستحقّ الوجود من ذاتها ، كذلك لا تستحقّ العدم من ذاتها أيضاً ، وإنّما تستحقّ العدم من علّةٍ خارجةٍ عن ذاتها ، كما أنّها تستحقّ الوجود من علّةٍ خارجةٍ عن ذاتها ، ولأنّ الإمكان الماهويّ عبارة عن تساوي نسبة الماهيّة إلى الوجود والعدم ، فالعدم لم يؤخذ في ذات الماهيّة ، ولو كان العدم مأخوذاً في ذات الماهيّة لامتنعت الماهيّة عن الوجود . وبهذا يتّضح : أنّ الماهيّة كما تحتاج في وجودها إلى علّةٍ خارجةٍ عن ذاتها ، كذلك تحتاج في عدمها إلى علّةٍ خارجةٍ عن ذاتها ، وبهذا يتّضح : أنّ العدم ليس أسبق من الوجود ، بل هما متساويا النسبة إلى الماهيّة ، وكلاهما خارجان عن ذات الماهيّة ، وعلى هذا ينتقض قولكم بأنّ الحادث الذاتيّ مسبوقٌ بعدم في مرتبة ذاته . إن قلت : ما هي علّة عدم الممكن ؟ قلنا : إنّ علّة عدم الممكن : هي عدم علّة وجود ذلك الممكن ، وقد قرّر هذا الاستدلال صدر المتألّهين بقوله : « إنّ كلّ ممكن فإنّه لذاته يستحقّ العدم ومن غيره يستحقّ الوجود ، وما بالذات أقدم ممّا بالغير ، فالعدم في حقّه أقدم